عبد الله بن محمد البطليوسي
536
الإقتضاب في شرح أدب الكتاب
وقوله « كأنهم لم يفعلوا » : في موضع نصب على الصفة لمرجلين ، أو على الحال ، كأنه قال مشبهين من لم يفعل . و « الكاف » في « كأن » كاف التشبيه الجارة ، دخلت على « أن » ، وكان حكمها أن تكون داخلة على الخبر ، فإذا قلت : كأن زيدا عمرو ، فأصله : أن زيدا كعمرو ، فأرادوا العناية بحرف التشبيه ، فقدموه إلى صدر الجملة ، فانفتحت همزة « أن » لدخول الكاف عليها ، كما تنفتح مع سائر العوامل الداخلة عليها ، ولا موضع للكاف من الإعراب ، ولا تعلق بظاهر ولا مضمر ، لمفارقتها موضعها الذي كان أخص بها ، ولأنها قد ركبت مع أن وصارت كالجزء منها . و « الكاف » من قوله : كأبي براقش يجوز أن تكون في موضع رفع على خبر مبتدأ مضمر ، كأنه قال : هم كأبي براقش . ويجوز أن تكون في موضع نصب على الحال ، [ 354 ] كأنه قال : مشبهين أبا براقش . وقوله : كل لون : منصوب على المصدر وفيه مجاز من ثلاثة أوجه : أحدها : أن كل ليس من المصادر على الحقيقة ، وإنما يصير مصدرا إذا أضيف إلى مصدر ، كقولك : ضربته كل ضرب . والثاني : أنه وضع اللون وهو اسم ، موضع التلون ، الذي هو مصدر . والثالث : أنه أجرى يتخيل مجرى يتلون ، لأنه إذا تخيل فقد تلون ، فكأنه يتلون لونه كل تلون . ويجوز أيضا أن يكون وضع اللون موضع التلون ، والتلون موضع التخيل ، فكأنه قال : لونه يتخيل كل تخيل . ونظير هذا في حملك المصدر على الفعل مرة وحملك الفعل على المصدر مرة قولهم « تبسمت وميض البرق » « 1 » ، فلك أن تقدره : ومضت وميض البرق ، ولك أن تقدره : تبسمت تبسم البرق . ومثله قعد زيد جلوسا ، فلك أن تجعل « قعد » في « تأويل جلس » ، ولك أن تجعل الجلوس في تأويل القعود . ويروى « كل لون لونه يتحول » وفيه من الصنعة مثل ما في يتخيل . وأنشد ابن قتيبة في هذا الباب « 2 » : [ من الطويل ] ( 114 ) وليس بهيّاب إذا شدّ رحله يقول عداني اليوم واق وحاتم
--> ( 1 ) تقدم هذا القول ص 513 ، وسيعاد في ص 573 . ( 2 ) البيت للرقاص الكلبي وهو خثيم بن عدي في اللسان 15 / 405 ( وقي ) ، 12 / 114 ( حتم ) ، 666 ( خثرم ) ، والتاج ( خثرم ) ، والمعاني الكبير ص 1187 ، والأول في التاج ( حتم ) ، ( وقي ) والثاني في تهذيب اللغة 7 / 690 ، والبيتان بلا نسبة في عيون الأخبار 1 / 145 ، والمخصص 13 / 25 ، والمعاني الكبير ص 263 ، والأول في المخصص 8 / 152 ، والعين 5 / 239 .